سيد محمد طنطاوي

303

التفسير الوسيط للقرآن الكريم

فالتجئ إلى اللَّه - تعالى - أيها الرسول الكريم - لكي يحفظك من شرورهم وكيدهم ، إنه - تعالى - هو السميع لكل شيء ، البصير بما ظهر وخفى من شؤون عباده . ثم بين - سبحانه - للناس من طريق المشاهدة صغر حجمهم بالنسبة إلى بعض خلقه - تعالى - فيقول : * ( لَخَلْقُ السَّماواتِ والأَرْضِ أَكْبَرُ مِنْ خَلْقِ النَّاسِ ، ولكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لا يَعْلَمُونَ ) * . أي : لخلق السماوات والأرض ابتداء وبدون مثال سابق ، أكبر وأعظم من خلق الناس . ومما لا شك فيه أن من قدر على خلق الأعظم ، فهو على خلق ما هو أقل منه أقدر وأقدر ، ولكن أكثر الناس لاستيلاء الغفلة والهوى عليهم ، لا يعلمون هذه الحقيقة الجلية . وقوله - تعالى - * ( أَكْبَرُ مِنْ خَلْقِ النَّاسِ ) * إنما هو من باب تقريب الأشياء إلى الفهم . فمن المعروف بين الناس أن معالجة الشيء الكبير أشد من معالجة الشيء الصغير . وإن كان الأمر بالنسبة إلى اللَّه - تعالى - لا تفاوت بين خلق الكبير وخلق الصغير ، إذ كل شيء خاضع لإرادته كما قال - سبحانه - : إِنَّما أَمْرُه إِذا أَرادَ شَيْئاً أَنْ يَقُولَ لَه كُنْ فَيَكُونُ . قال صاحب الكشاف : فإن قلت : كيف اتصل قوله * ( لَخَلْقُ السَّماواتِ والأَرْضِ . . ) * بما قبله ؟ . قلت : إن مجادلتهم في آيات اللَّه كانت مشتملة على إنكار البعث . وهو أصل المجادلة ومدارها ، فحجّوا بخلق السماوات والأرض لأنهم كانوا مقرين بأن اللَّه خالقهم ، وبأنهما خلق عظيم لا يقادر قدره ، وخلق الناس بالقياس إلى خلقهما شيء قليل ، فمن قدر على خلقهما مع عظمهما . كان على خلق الإنسان مع ضآلته أقدر . . « 1 » . وقوله - تعالى - * ( وما يَسْتَوِي الأَعْمى والْبَصِيرُ ، والَّذِينَ آمَنُوا وعَمِلُوا الصَّالِحاتِ ولَا الْمُسِيءُ . . . ) * نفى لعدم المساواة بين الأخيار والأشرار . والمتقين والفجار . . أي : كما أنه لا يصح في عرف أي عاقل المساواة بين الأعمى والبصير . كذلك لا تصح المساواة بين المؤمنين الذين قدموا في دنياهم العمل الصالح ، وبين الكافرين والفاسقين الذين لطخوا حياتهم بالعمل السيئ ، والفعل القبيح . . ولفظ « قليلا » في قوله - تعالى - * ( قَلِيلًا ما تَتَذَكَّرُونَ ) * مفعول مطلق ، وهو صفة لموصوف محذوف ، و « ما » مزيدة للتأكيد . أي تذكرا قليلا تتذكرون .

--> ( 1 ) تفسير الكشاف ج 4 ص 174 .